المقريزي
478
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
كانت بداية أمره أنّه لمّا سلّم السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب أمر الأسطول لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيّوب ، وأفرد له من الأبواب الدّيوانيّة الزّكاة بمصر والحبس الجيوشي بالبرّين والنطرون والحراج « a » وما معه من ثمن القرط وساحل السّنط والمراكب الدّيوانية وأشنى وطندي « 1 » ، استخدم العادل في مباشرة ديوان هذه المعاملة الصّفيّ بن شكر هذا ، وكان ذلك / في سنة سبع وثمانين وخمس مائة . ومن حينئذ اشتهر ذكره ، وتخصّص بالملك العادل ، فلمّا استقلّ بمملكة مصر في سنة ستّ وتسعين وخمس مائة ، عظم قدره ، ثم استوزره بعد الصّنيعة ابن النجّار ، فحلّ عنده محلّ الوزراء الكبار والعلماء المشاورين ، وباشر الوزارة بسطوة وجبروت وتعاظم ، وصادر كتّاب الدّولة واستصفى أموالهم . ففرّ منه القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل إلى بغداد ، واستشفع بالخليفة الناصر ، وأحضر كتابه إلى الملك العادل يشفع فيه . وهرب منه القاضي علم الدّين إسماعيل ابن أبي الحجّاج صاحب ديوان الجيش ، والقاضي الأسعد أسعد بن ممّاتي صاحب ديوان المال ، والتجأ إلى الملك الظّاهر بحلب ، فأقاما عنده حتى ماتا . وصادر بني حمدان ، وبني الحبّاب ، وبني الجليس ، وأكابر الكتّاب والسّلطان لا يعارضه في شيء . ومع ذلك فكان يكثر التّعصّب على السّلطان ، ويتجنّى عليه وهو يحتمله ، إلى أن غضب في سنة سبع وستّ مائة ، وحلف أنّه ما بقي يخدم ، فلم يحتمله ، وولّى الوزارة عوضا عنه القاضي الأعزّ فخر الدّين مقدام بن شكر ، وأخرجه من مصر بجميع أمواله وحرمه وغلمانه ، وكان نقله على ثلاثين جملا ، وأخذ أعداؤه في إغراء السّلطان به ، وحسّنوا له أن يأخذ ماله ، فأبى عليهم ، ولم يأخذ منه شيئا .
--> ( a ) بولاق : الخراج . - العبّاسي ، المتوفى سنة 560 ه / 1156 م ( ابن خلكان : وفيات الأعيان 6 : 230 - 244 ) . ( 1 ) هناك مدينتان باسم أشني ( أو أشنين ) وطنبدي ( أو طمبدي ) . الأولى من كفور البتنون من أعمال المنوفية بالوجه البحري . وقد احتفظت طنبدي باسمها ، أمّا أشني فلأنّها كانت من توابع طنبدي فقد عرفت من العهد العثماني بكفر طنبدي ( علي مبارك : الخطط التوفيقية 13 : 124 ( 43 ) ؛ محمد رمزي : القاموس الجغرافي 2 / 2 : 192 ) . والثانية من أعمال البهنسا بصعيد مصر ، وكانتا تعرفان بالعروستين لحسنهما ، وهي الآن بمركز مغاغة بمحافظة المنيا . ( علي مبارك : الخطط التوفيقية 13 : 124 - 128 ( 44 - 45 ) ؛ محمد رمزي : القاموس الجغرافي 2 / 3 : 243 ، 249 ) .